ما نراه خلف حائط الحديقة

أراد الكاتب " باتريك مكهيل " صنع عمل فني ذو طابع فلكلوري مخيف و غامض ، كانت له أفكاره الخاصة التي لم تتوافق مع الشركة المُتبنية لعمله ، حيث أن أعمال الشركة مُوجهة للأطفال و كان لابد من انتقاء الأفكار في أعمالهم ، لكن الكاتب استطاع تنفيذ عمله ( سلسلة خلف حائط الحديقة ) بحيث يُضَمن أفكاره مع جعلها مناسبة للأطفال في الآن ذاته ، ولهذا نستطيع ملاحظة كثير من الرمزيات و التلميحات المدفونة في حلقات السلسلة 

تنويه : يحتوي المقال على حرق / كل ما كتب في هذا المقال مجرد نظريات و خرافات لا تمثل اعتقاداتنا كمسلمين *

نستطيع ملاحظة أن بداية القصة هي مثل أغلب البدايات التقليدية للقصص الشعبية ، أخوان صغيران يسيران في الغابة بحثًا عن طريق العودة للبيت ، أما عن كيفية وصولهما للغابة فالإجابة هنا ، أثناء لهو الأخوان في أرجاء مدينتهما قفزا على سكة قطار ، يتضح لاحقًا أن القطار متجه إلى " مابعد الموت " ، أي مكان وصول الأرواح بعد الموت ، يبدأ القطار بالتحرك ، فقفزا من السكة وصولًا إلى المنتصف ، إلى ما بين الحياة و الموت ، بين الحقيقة و الأحلام ، غابة  المجهول 

: أثناء حدوث كل هذا ، نستطيع سماع أغنية في الخلفية تقول  

There’s an old black train a-comin’ 

scraping ‘long the iron.

You don’t need no ticket, boy. It’ll take you in it’s time.”

هناك قطار أسودٌ قديم قادم 

يحتك على طول السكة 

لا تحتاج إلى تذكرة يا فتى ، سيأخذك في الوقت المناسب 

 و يُقصد بالقطار هنا الموت

الكاتب لم يرجع إلى الحكايات الشعبية فحسب ، بل استخدم مختلف الروايات العالمية كمرجع له ، أليس في بلاد العجائب - آن في المرتفعات الخضراء - ساحر أوز العجيب و غيرها من الروائع الكلاسيكية 

نظرة أكثر عمقًا للقصة

بعد مشاهدتي للسلسة و قراءة ماكتبه الكاتب من أفكار ، و الغوص في العديد و العديد من النظريات ، يمكنني القول بأن "المجهول" قريب جدًا لمكان " المَطْهَر " ، وهو مكان تعتقد به فئة من المسيحيون ، حيث توجد الأرواح التي لم تَتُب توبة كاملة ، لتُطهر و تُكفر عن ذنوبها و تكون عندها جاهزة للذهاب إلى الجنة ، يُقال أيضًا أنه المكان الذي تذهب فيه الأرواح غير المتقبلة أن حياتها قد انتهت ، و أرواح لديها أشغال لم تنهيها بعد 

نرى كثير من الشخصيات المنتظرة لإنهاء عمل ما ، معلمة تنتظر عودة محبوبها ، عصفورة تريد أن تُحرر نفسها و عائلتها من لعنة ساحرة عجوز ، حطاب يريد الحفاظ على روح ابنته ، و مليونير لا يريد البقاء وحيدًا 

و مما يرشدنا أيضًا بأن الشخصيات في مكان ما شبيه للمطهر هو الأمل الباقي في الناس هناك ، كما يُقال ففي الجحيم يعرف الإنسان هذه الحقيقة المريرة وهي أن العذاب سرمدي، أما المطهر ففيه تلك الحقيقة التي تبعث القوة في النفس وهي أن السعادة السرمدية ستعقب العقاب الذي أحل له أجل ينتهي عنده ، فالمعلمة لا زالت تؤمن بأن محبوبها عائدٌ إليها ، و العصفورة لا زالت تحاول تخليص نفسها و عائلتها ، الحطاب على يقين بأن روح ابنته لا تزال محفوظة ، و المليونير باق على أمل العثور على رفيق

المعلمة لانغتري 

يحتاج الأخوان ( غريغ و ويرت ) قطعتان نقديتان للعبور إلى الجانب الآخر من النهر على متن عبّارة ، فيدخلان إلى قصر مليونير متظاهرين بأنهما أبناء أخيه للحصول على النقود ، مما يذكرني بإحدى شخصيات الأساطير الإغريقية ، " خارون " يعبر بأرواح  الأموات المدفونين لتوهم في نهر "ستيكس" الذي يجري سبع مرات حول عالم الأموات ، وفي المقابل يتلقى قطعتان نقديتان من الموتى 

العبّارة في خلف حائط الحديقة

قارب خارون 

و كأي قصة تقليدية يكون هناك جانب الشر ، كرؤية ذات الرداء الأحمر الذئب ، أو رؤية هانسل و غريتيل الساحرة العجوز ، ما أثار اهتمامي هنا هو أننا نستشعر وجود الشر لكننا لا نعرف من أو ما هو ، و كما يتضح لاحقًا ممثل جانب الشر هنا هو " الوحش " ، و ما الوحش حقًا ؟ مخلوقٌ ذو عينين حمراوتين وأنيابٌ حادة ؟ ، كما يقول الوحش عن نفسه :" أنا الغابة ، و الغابة هي أنا " ، نستطيع أن نستنتج إذًا أن الوحش هو " المجهول " نفسه ، خطر ما تهاب رؤيته في الظلام  

نستطيع ملاحظة محاولة تجسيد هذا في وحش ، حيث أن شكل الوحش غير محدد و غير واضح ، تَرى جسده العلوي فحسب وليس السفلي ، و كأنه متصل بالغابة


يُبقي الوحش روحه داخل فانوس ، و يُغذيها بزيت الأشجار ، لا أرى أن زيت الأشجار هو ما يغذيها فعلًا، إنما هي اللآمال  ، فكما قلنا سابقًا ، أن الشخصيات لا تزال تتحلى بالأمل ، فالوحش قد خدع الحطاب حين قال له أنه سيبقي روح ابنته محفوظة سالمة داخل فانوس إن حافظ هو على شعلة الفانوس مشتعلة ، فما لبث الحطاب أن قام بتغذية الفانوس بالزيت ظانًا آملًا بأنه يحافظ على روح ابنته ، و هو لا يفعل شيئًا سوى تغذية روح الوحش بآماله هو 

حفظ الروح في أشياء أخرى ملموسة لهي طريقة متداولة في القصص و الحكايات الخيالية لمنح الشخص الخلود ، كما حدث في السلسلة الشهيرة ( هاري بوتر ) ، حيث قام " فولديمورت " بحفظ سبعة أجزاء من روحه في سبعة أشياء مختلفة بغيةً للخلود 


تأتي الحلقة الثامنة باسم ( أطفال في الغابة )  ، وهي مقتبسة من حكاية شعبية لها نفس الاسم ، تحكي قصة طفلان يموتان مأساويًا في الغابة و تغطيهما العصافير بأوراق الشجر ، نرى في هذه الحلقة محاولة الوحش سلب أمل الأخوين بعودتهما إلى البيت ، و نبدأ ملاحظة تخييم اليأس و التشاؤم على الأخ الأكبر ( ويرت ) ، بينما يبقى أخوه ( غريغ ) على أمل و تفاؤل. مع يأس " ويرت " و خيبته ، ينام هو و أخوه عند شجرة و يغطيان جسديهما بأوراق الشجر ، كما جاء في الحكاية تمامًا 


عند نومهما ، يرى " غريغ " جنية طيبة في حلمه ، قالت بأنها ستحقق أمنية واحدة له ، فطلب منها العودة إلى البيت مع أخيه ، عندها قالت الجنية بأنها تستطيع إعادته وحده للبيت ، بحجة أن أخاه ويرت تائه جدًا و أن الوحش قد تمكن منه بالفعل ، فيطلب منها غريغ أن يأخذه الوحش هو عوضًا عن أخيه فتلبي له طلبه ، عندها يخدع الوحش غريغ قائلًا له بأنه سيعيده و أخاه للبيت إن هو أحضر له ثلاثة أشياء : مشط ذهبي ، بكرة خيط فضي ، و أن يضع له الشمس في فنجان ، وهذه ليست إلا محاولة من الوحش لزرع أمل فارغ في غريغ 

يجذب الوحش الشخصيات عن طريق إغوائهم و تنسيتهم أحزانهم و آلامهم ، فهو لا يحاول استغلالهم بتخويفهم و إرغامهم ، بل الشخصيات هي من تأتيه برضاها ظانةً بأن مشاكلها سوف تُحل و همومها لسوف تُنسى ، فكما يقول الوحش في أغنيته 

Come wayward Souls, ،تعالي أيتها الأرواح الضالة 

That wander through the darkness, ،المُتجولة في الظلمات 

There is a light for the lost and the meek. .هناك نور للضائع و الخنوع 

Sorrow and fear, ،الحزن و الخوف 

Are easily forgotten, ،سهلا النسيان 

When you submit to the soil of the earth. .عندما تخضعين لتراب الأرض 

تتسارع الأحداث بعد ذلك ، لتُطفئ شعلة الفانوس أو روح الوحش بالمعنى الأصح ، و نرى في الحلقة الأخيرة وجود الأخوان في المستشفى مع أصدقائهما ، يقول البعض بأن كل ما حدث كان حلمًا ، و هذا تم نفيه لأنه يمكن رؤية غريغ ممسكًا بضفدعه الذي يشع ضوء في بطنه ، وهو ضوء من فانوس قد ابتلعه الضفدع في المجهول ( في حلقة أغاني الفانوس المظلمة ) ، و البعض الآخر يقول بأن الأخوان لا يزالان عالقان في " المجهول " و أن وجودهما في المستشفى لهو الحلم ، كما تقول أغنية البداية

But where have we come, and where shall we end?

If dreams can't come true, then why not pretend?

لكن من أين أتينا، و أين سننتهي ؟ 

إن لم تتحقق الأحلام ، فلما لا نتظاهر بذلك ؟


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأملات في حكايات جينجر : كيف نكبر دون أن نفقد أنفسنا في الطريق ؟

الاستثنائية في أن تكون عاديًا