الاستثنائية في أن تكون عاديًا

 

في عالم مكتظ بالشعارات المبتذلة ، حيث تتدلى عبارات مثل “كن مختلفًا” فوق رؤوسنا كلوحة إعلانية لا يمكن الهرب منها. يصبح الاختلاف أو الاستثنائية متطلبًا يوميًا لا خيارًا شخصيًا. و نُدفع بعنف متلبّس رداء التحفيز إلى أن ننتج أكثر و أن نثبت بأننا “مختلفين”، ليتم اختيارنا من قبل ملّا نعلم بالضبط أصلًا . وسط كل هذا الإلحاح ، يصبح العادي خطيئة، و يغدو السؤال الحقيقي أكثر إزعاجًا : هل نحتاج حقًا أن نكون “استثنائيين”… أم أننا أَُطعِمنا هذه الفكرة قسرًا، مثل لقمة أكبر من أن تُبلع، حتى صدقناها.

من هو الاستثنائي ؟ و من يقرر إن كنا كذلك أم لا؟ لا أستطيع إلا أن أسأل نفسي للتأكد مما أركض ورائه ، من الخائف هنا …. الأشخاص الذين يعيشون حياة “عادية “، أم من يلاحقون المديح و الهتاف لأن فكرة “الحياة العادية” ترعبهم ؟ 

حين تصبح الاستثنائية سلعة

إننا بملاحقتنا لهذا المديح لا نفقد جوهرنا فحسب، بل نستسلم أيضًا لوهم التفوق الكاذب، و نتحول إلى دمى في عرض مسرحي، تتلاعب بها أيادي الرأسمالية. فإنه بإطعامنا هذه الفكرة، يصبح الشعور بأننا “عاديين” فجوة يجب علينا سدها، و فرصة استثمارية ممتازة. يُعاد تذكيرنا بطرق هادئة و مستمرة بأننا لسنا كافيين بعد ، و هكذا تتحول الاستثنائية من رحلة مثرية إلى حاجة تُصنع ، و يتغير الهدف من كوننا أنفسنا إلى كوننا نسخ “عالية الطلب” من أنفسنا. 

لكي تكون مرغوبًا و مطلوبًا ، يجب أن تكون لديك مهارات خارقة للطبيعة. يجب عليك أن “تفكر خارج الصندوق”. أن تكون حديث التخرج، صغيرًا بالعمر ،مع خبرة سنوات في مجال العمل بالطبع ، يجب أن تكون قائدًا استثنائيًا و في نفس الوقت موظفًا مطيعًا، يجب أن تكون اجتماعيًا، محبوبًا، موهوبًا، مستكشفًا، مبدعًا، مخترعًا. يجب يجب يجب …. يجب إلى مالا نهاية، لكي يكون هناك دومًا خدمًا متفانين و سلعًا للبيع. 

وهم المختار

كل ما حولنا يفترض أن القيمة تُكتسب، و بأنه هنالك من وُجد لشيء أعظم. لكن هذه الفكرة تؤدي لفصل الناس إلى من ينتظر دوره تحت الأضواء ، لأنه “المختار” الاستثنائي، و من يكتفي بالمشاهدة كالغالبية “ الماحقة ”. نرى هذه المفارقة بشكل جميل في “هجوم العمالقة”. حيث يمثل”كيث شاديس” من يلاحق وهم “المختار” ، ممضي أغلب سنواته محاولًا الإثبات لنفسه و للآخرين بأنه مختلف عن سائر البشر المفتقرين للعظمة و المخيلات. إلى أن قالت له كارلا -والدة ايرين- : هل من العيب ألا تكون استثنائيًا؟، مسترسلةً بأن ابنها لا يجب عليه أن يصبح عظيمًا أو أن يتفوق على أي أحد ليثبت قيمته، و بأنه “استثنائي” بالفعل ، فقط لكونه وُلد في هذا العالم. 

إذًا أنت استثنائي بالفعل، لأنك موجود في هذا العالم و تشارك و تختار، و ليس لأنك متميز عن “البقية” بإنجازاتك . ربما فكرة “المختار” مريحة، لأنها توهمنا بأننا موهوبون و مختلفون “بالفطرة” فهذا أسهل من أن نحاول و نفشل مرارًا لكي نتعلم و نتطور. إنها فكرة سهلة التصديق لأنها تساعدنا في تلميع صورنا ، لكنها فكرة غير حقيقية. إن“ العادي “ ليس نقيضًا للقيمة ، بل للاستعراض. 

سأسترسل بمثال من “ ذا ليجو موڤي “ ، حيث أن “ايميت” -بطل الفيلم- يمثل عينة مثالية للدراسة فيما يتعلق بموضوع المقال هذا.

يُظهر الفيلم “ايميت” في البداية كأكثر شخص عادي و ممل . فهو يعيش بلا وعي أو طموح. تتحكم فيه المنظومة بكل سهولة ، فهو مُتفانٍ في عمله “العادي” كعامل بناء، يتبع التعليمات بكل حذافيرها ولا يخرج عنها أبدًا ، لدرجة أنه لا يستطيع استخدام عقله و مخيلته خارج هذه التعليمات. اهتماماته بدورها لا تملك أي فرادة، إن أغنيته المفضلة هي الأغنية الأكثر شهره على الراديو ، و مسلسله المفضل هو المسلسل الأكثر شهرة على التلفاز، وهو لا يفكر قبل أن يصرف نقوده على قهوة “عادية” باهظة الثمن كما يفعل الجميع. 

لكن و لغرابة الأمر ، يجد “ايميت“ نبؤة قديمة من ساحر عجوز تقول بأنه الشخص الأكثر موهبةً و عظمةً و تميزًا في الكون. مقدمًا له لقب “ the special “ ، أي “ المميز “. 

تبدو الفكرة غريبة، بل ساخرة تقريبًا، فهنالك الكثير من الأشخاص الأكثر كفاءة و استحقاقًا للّقب منه. و مع ذلك، “ايميت” يبلي بلاءً حسنًا في تنفيذ النبؤة و يساعد في إنقاذ العالم، و هنا يأتي المعنى الحقيقي لل”مختار” ، فقد اتّضح أن النبوة غير حقيقية، بل تلفيق من الساحر العجوز. لا يوجد “مختار” أصلًا، بل أشخاص “عاديون” يحاولون بقدر المستطاع . “ايميت” صدّق هذه النبؤة، و هذا ما دفعه إلى المواصلة بإصرار. 

إذًا، الجميع بوسعه أن يكون الشخص المميز و المختار إن أراد و صدّق ذلك.

لست مضطرًا أن تكون “الشرير” ، أنت الشخص الأكثر موهبةً، و الأكثر إثارةً للاهتمام، و الأكثر تميزًا في هذا الكون. و أنت قادر على فعل أشياء مذهلة، لأنك أنت “المميز”. و أنا كذلك، و الجميع كذلك. — ايميت 

السلام مع العادية

كيف نفرق بين ما نريده حقًا، و ما تريده الأنا الخاصة بنا؟ إننا و من دون أن نلاحظ، نطوّر رغبات لا نريدها بالفعل، بل هي فقط رغبات نشعر بأننا نريدها لكي نرضي غرورنا و نثبت أشياء معينة سواء لأنفسنا أو للآخرين. إن الموضوع أعمق من مجرد “ناس عاديين و ناس طموحين” 

لنقل بأنك تريد أن تكون مهندسًا، هل هذا نابع من رغبة حقيقية ؟ أم أنك تريد أن تثبت بأنك ذكي و مبدع؟ على سبيل التوضيح أكثر، لقد لوحظت أنماط متكررة لدى من يختارون مجالات ذات معايير عالية يصعب القبول فيها، إذ تشير بعض الدراسات و الملاحضات النفسية إلى أن عدد كبير منهم نشأوا في بيئات كان فيها القبول مشروطًا بالإنجاز، أو في عائلات مفككة عاطفيًا. و كأن التفوق و التميز وسيلة لإثبات أنهم يستحقون أن يُروا و ليس طموحًا حقيقيًا. 

يجب علينا أن نطور نوعًا من السلام مع أنفسنا و رغباتنا سواء كانت تبدو عادية أو مبتذلة أو حتى متعجرفة. يجب أن تكون لدينا الشجاعة لنكون “لا أحد” ، لنكون “خاسرين” ، لنكون “عاديين”. بعد أن نطور هذا النوع من الشجاعة، نصبح منيعين للرغبات المفروضة علينا من البيئة المحيطة ، و تصبح لدينا رؤية جديدة و واضحة عمّا نريده حقًا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأملات في حكايات جينجر : كيف نكبر دون أن نفقد أنفسنا في الطريق ؟

ما نراه خلف حائط الحديقة