تأملات في حكايات جينجر : كيف نكبر دون أن نفقد أنفسنا في الطريق ؟
" إذا كان النضج يعني أن أفقد مايجعلني نفسي ، فما الجدوى إذًا ؟ "
— جينجر فاوتلي
أحيانًا أشعر أن النضج ليس حدثًا كبيرًا كما تخبرنا القصص. بل همسات صغيرة تتراكم في زوايا الأيام حتى نجد أنفسنا في مرحلة جديدة دون أن نعرف كيف وصلنا إليها. و لعل هذا تحديدًا ما يجعل شخصية " جينجر فاوتلي " قريبة منا ؛ فهي لم تُصوّر كالنموذج للفتاة الواثقة، الّتي تنجح في تعدي كل عقبة تواجه طريقها، بل كانت كالمرآة لنا نحن كَبَشر : مزيجًا من الخوف و التساؤل، و من الرغبة في التقدم و الحاجة إلى التمسك بما نعرفه.
فالمٌلفت في " جينجر " أنها لم تنضج أمامنا بوضوح خطّي ، بل نضجت كما يفعله معضمنا من الشباب : على هيئة تردد، و انكسار، ثم محاولة، ثم محاولة أخرى. و هذا ما يجعلها كَتجسيد لواحدة من أكثر المخاوف الإنسانية شيوعًا…
كيف نكبر دون أن نفقد أنفسنا ؟
إن النضج يحدث ببطء شديد، في الانكسارات الهادئة، في الصداقات التي تبهت دون ضجيج، في تغير اهتماماتنا، و في وعينا المفاجئ .. بأننا لم نعد ذلك الشخص الذي كنا عليه قبل سنة أو اثنتين أو سبع. و هذا بالضبط ما يجعل النضج مربكًا، ليس لأنه يغيرنا كثيرًا ؛ بل لأنه يغيرنا بصمت.
جينجر، بعيونها الواسعة و أسئلتها المترددة، تمثل حالة نفسية نعيشها في كل مرحلة انتقالية في حياتنا ؛ حالة يٌشير إليها علماء النفس ب " قلق الهوية ". وهي تلك اللحظة التي نقف فيها بين ماضٍ نعرفه، و مستقبلٍ نخشاه، و قلب يتقلب بين الاثنين.
الهوية ليست شيئًا ثابتًا نحافظ عليه ؛ بل شيء نعيد تشيكله مرارًا كلما تعلمنا شيئًا جديدًا عن أنفسنا. وهذا ما عكسته جينجر، كانت خائفة من آن تذوب هويتها بين المدرسة الثانوية و العلاقات الجديدة لكنها لم تدرك أن النضج لا يعني فقدانًا للذات ، بل اتساعًا لها.
نحن جيل يرى عشرات الاحتمالات أمامه. يعيش وسط ثقافات متداخلة، و تطلعات عالية، و أحيانًا، وعي أكبر من اللازم. لذلك نشعر أن كل تغيير يهدد " هويتنا ". نخاف آن نصبح نسخة لا تشبهنا، و أن تفرض الحياة علينا قوالب لا تناسب أرواحنا. و مثل "جينجر" ، نحاول أن نكون أنفسنا.. و في الوقت ذاته، نبحث عن نسخة أفضل من تلك النفس.
و هذا الصراع بحد ذاته علامة نضج ، و ليس اضطراب.
العلاقات كمرآة للنضج
في حياتنا ، و كما في حياة جينجر ، تمثل العلاقات - سواء أصدقائها أو ارتباطاتها الأولى - اختبار لعقدها الداخلية ، و مرآة للنضج. فبعض الأشخاص نمّوا جزءًا منها، و بعضهم خبا دوره عندما تغيرت هي.
كانت جينجر تربط هويتها بالآخرين في حياها. حتي و إلّم يبادلوها هذه المشاعر. كانت تخاف من أن تفقد ذاتها حين تٌعجب بشخص و حين تفقد شخص. هذه الحساسية العاطفية تمثل سلوك لأشخاص يخشون الارتباط لأنهم يخشون التغير، أو يخشون الاعتراف بأنهم يتغيرون بالفعل.
صداقات جينجر كانت الساحة التي تتجلى فيها مخاوفها أيضًا. الخوف من الفقد، من الاختلاف، من أن يكبر الآخرون قبلها. و هذا يتوافق مع نظرية العلاقات التبادلية عند المراهقين. حيث يصبح الأصدقاء جزءًا من الهوية المؤقتة التي يستند إليها الفرد حتى يشق طريقه نحو ذاته.
الكتابة كَمحاولة للنجاة و حماية الهوية
كانت جينجر تكتب كثيرًا لكي تعرف أن مايحدث لها يمكن أن يُفسّر و يُفهم، و حتى لا تنجرف في التيار دون أن تعي الاتجاه. كانت تعيد ترجمة العالم إلى لغة تستطيع فهمها و احتمالها بدل أن تُترك لتواجه فوضاه بلا وسيلة. كانت كلماتها وسيلتها لفهم نفسها و تهدئة مخاوفها. و هذا يشرح تعلقنا فيها : لأنها تمثل تلك اللحظة الّتي نحتاج فيها لفهم ما يحدث بداخلنا قبل أن نعرف كيف نتعامل معه.
الهوية ليست بابًا نركض خلفه، بل غرفة تتّسع بنا
و ربما، و بعد كل هذا الركض، اكتشفنا شيئًا صغيرًا لم يخبرنا به أحد. أن الهوية ليست بابًا نطارده لنلحق بنسخة مكتملة منا، و لا ممرًا نخشاه خوفًا من أن يتغير ما ورائه، إنها أشبه بغرفة تكبر معنا، نضيف إليها نافذة جديدة، نبدّل مواقع الأثاث، نُدخل نورًا مختلفًا؛ لكن الجدران تبقى هي الجدران.
ربما هذا هو السر الذي أفلت منا طويلًا : أن النضج لا يأخذنا من أنفسنا، بل يعيد ترتيبنا لكي نتّسع لكل ما أصبحانه و كل ما سنصبحه مستقبلًا.


I feel it in my bone, wording was it for me, keep it up
ردحذف